ابن أبي الحديد
69
شرح نهج البلاغة
ثم أسبغ عليهم الأرزاق فان ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجة عليهم أن خالفوا أمرك ، أو ثلموا أمانتك ثم تفقد أعمالهم ، وأبعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة ، والرفق بالرعية . وتحفظ من الأعوان ، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك ، اكتفيت بذلك شاهدا ، فبسطت عليه العقوبة في بدنه ، وأخذته بما أصاب من عمله ، ثم نصبته بمقام المذلة ، ووسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة . * * * الشرح : لما فرغ عليه السلام من أمر القضاء ، شرع في أمر العمال ، وهم عمال السواد والصدقات والوقوف والمصالح وغيرها ، فأمره أن يستعملهم بعد اختبارهم وتجربتهم وألا يوليهم محاباة لهم ، ولمن يشفع فيهم ، ولا أثره ولا إنعاما عليهم . كان أبو الحسن بن الفرات يقول : الأعمال للكفاة من أصحابنا ، وقضاء الحقوق على خواص أموالنا . وكان يحيى بن خالد يقول من تسبب إلينا بشفاعة في عمل فقد حل عندنا محل من ينهض بغيره ، ومن لم ينهض بنفسه لم يكن للعمل أهلا . ووقع جعفر بن يحيى في رقعة متحرم به : هذا فتى له حرمة الامل ، فامتحنه بالعمل ، فإن كان كافيا فالسلطان له دوننا ، وإن لم يكن كافيا فنحن له دون السلطان . ثم قال عليه السلام : " فإنهما - يعنى استعمالهم للمحاباة والإثرة - جماع من شعب الجور والخيانة " . وقد تقدم شرح مثل هذه اللفظة ، والمعنى أن ذلك يجمع ضروبا من الجور والخيانة . أما الجور فإنه يكون قد عدل عن المستحق إلى غير المستحق ففي ذلك جور على المستحق .